(
الحلقة
الثالثة )
العقدة
الأخيرة في
قصة السلام ،
والمتعلقة
بالقدس
والمسجد
الأقصى
المبارك
أفرزت كثيراً
من المشاكل ،
وعنها نجمت
الأوضاع
المتوترة
التي تقع
وتجري الآن
على أرض
فلسطين
كاجتياح
اليهود
لأجزاء من
الأرض
الفلسطينية ،
وقتل جنديين
يهوديين ،
وتوتر
الأوضاع
بشكـل درامي
متسارع ،
وبالذات
القسوة
الفاشية
الصارخة التي
يواجه بها
اليهود
المحتجين
العزل ، وهذه
الأوضاع
وغيرها أوجدت
عند المسلمين
تفاعلاً
جيداً مع
القضية ،
والكل
يتساءلون : ما
مصير هذه
الأحداث ؟ ما
نهايتها؟ما
تحليلها ؟ ما
الذي يجري
الآن ؟ وما
الذي يمكن أن
يجري ؟ طبعاً
هذا غيب ، لكن
ينبغي أن
نتفطن أن
الأمة
الإسلامية
بوضعها
الحاضر أمة
تملك قدراً لا
بأس به من
العواطف ،
وهذا بحد ذاته
جيد ، العاطفة
جزء من
الإنسان ، و لو
شكوت همك إلى
شخص ، فوجدت في
وجهه البرود
واللامبالاة
وقال لك :
والله أنا لا
أملك لك شيئاً
، فإنك تذهب
كسيفاً ، لكن
لو عصر عينه ،
واربد وجهه ،
وظهر الأثر
عليه ، ثم قال
لك : سأبذل
قصارى جهدي ،
وسأدعو لك ،
وسأفكر في
الأمر ملياً ،
ولو لم يفعل
أكثر من هذا
لشعرت أنه وقف
بجانبك ،
ولذلك الرسول
صلى الله عليه
وسلم قال في
الحديث
المتفق عليه (مثل
المسلمين في
توادهم
وتراحمهم
وتعاطفهم .. )
فلاحظ كلمة
التواد ،
والتراحم ، و
التعاطف ،
كلها تتعلق
بالجانب
العاطفي ،
الجانب
الوجداني ،
جانب الضمير ،
كمثل الجسد
الواحد إذا
اشتكى منه عضو
تداعى له سائر
الأعضاء 0 إذاً
قضية العواطف
مبدئياً جيدة
، أحرق المسجد
الأقصى يوماً
من الأيام
فبكينا ، وقعت
مجزرة دير
ياسين
المشهورة
فبكينا ،
مجزرة بحر
البقر ، مجزرة
صبرا وشاتيلا
، مجزرة قانا ،
بل قبل سنتين
كتبت الصحف عن
الأعمال
الإرهابية
التي قام بها
اليهود تجاه
أسرى الحرب
المصريين ،
وكيف كانوا
يدفنونهم
أحياء ، وكيف
كانوا
يعاملونهم
بطريقة في
غاية البشاعة
، فالمسلمون
لديهم عواطف
ثرية وأقل ما
يملك الإنسان
أن يبكي نصرة
لأخيه المسلم
أو يحزن له ،
فهذه العواطف
جميلة وهي تدل
على أن روح
الإخاء
الإسلامي لا
تزال قائمة
بين المسلمين
، وأن الأمر
كما قيل :
إذا
دميت في كـف
بغداد أصبع
تذوب حشاشات
العواصم حسرة
لسالت
بوادي النيل
للنيل أدمع
ولـو بـردى
أنّت لخـطـب
أصابها
لكن
هل تكفي
العواطف
وحدها ؟ هل
يعجبنا أن
يقول إخواننا
في فلسطين :
دموعكم وصلت ،
والسلام ؟!؟
يبكي
، ومن شر
السلاح
الأدمع يـأبى
الـوحـيـد ،
وجيشـه
مـتكـاثـر
فحشاك
رعت به ، وخدك
تقرع وإذا
حصلت من
السلاح على
البكا
فوق
القناة ، ولا
حسام يلمع !؟
وعـفا
الـطـراد ،
فلا سنـان
راعـف
هذا
سؤال مهم ، نحن
أحياناً قد
نحول هذه
العواطف إلى
أقوال ، وتضل
هذه الأقوال
تدور في إطار
العواطف فقط ،
الكلمات ،
والتحليلات ،
وتدبيج
المقالات ،
والقصائد ،
والخطب ،
والأحاديث ،
مشحونة
بعواطف فياضة
، لكن مؤقتة ،
قد تجد
إنساناً يشجب
العمليات
الإستشهادية
التي يسمونها
الانتحارية
وينتقدها ،
ويتحدث عن
سلبيتها ،
وأنها تضر
بالقضية
الفلسطينية
والقضية
الإسلامية
وربما يدعو
بحماس إلى
التطبيع
الكامل مع
اليهود ، وأن
الحرب بكافة
صورها أصبحت
جزءاً من
الماضي ،
وبارتفاع
وتيرة
الأحداث ،
ربما تتغير
اللهجة ،
وتصرخ
المشاعر
مطالبة
بالثأر
للكرامة ،
معيدةً إلى
الأذهان أن ما
أخذ بالقوة لا
يسترد إلا
بالقوة !
إذاً
: هل يمكن
الركون إلى
هذا الانفعال
الوقتي ، أم هو
مجرد فقاعة
سرعان ما
تنطفئ ، مع
استحضار حسن
الظن بطبيعة
الحال . وحتى
مع هذا ، فلا
يمكن أن نلغي
أهمية هذه
الأقوال
المشحونة
بالمعاني
الأخوية
الإيمانية ،
لأنه مقياس من
مقاييس الرأي
العام وكثير
من الأجهزة
والمؤسسات
تعنى بدراسة
مؤشر الرأي
العام
ارتفاعاً
وانخفاضا من
خلال وسائل
كثيرة ، منها
تعبيرات
الشارع ،
تعبيرات
الإنسان
العادي ،
تعبيرات
الصحافة
والإعلام ،
لأنهم
يعتبرون هذه
الأشياء مما
يبنى عليه
نتائج ، ويحسب
له حسابات ،
ولذلك لا نهون
من قيمة
التعبير عن
هذه العواطف
التي تملأ
قلوب
المسلمين ،
لكن هذا لا
يكفي . وهناك
آخرون يرقون
عن العواطف
المجردة و
الأقوال
المجردة إلى
درجة أخرى وهي
أنهم
يتعاطفون مع
إخوانهم من
خلال أساليب
وتعبيرات
عملية ، وهذا
شيء جميل .
فالإنسان
الذي أخذ على
نفسه أن يدعو
لإخوانه في كل
صلاة إنما
يعبر عن ضمير·
يحترق
لحرقتهم ،
ويستبطن كل
معاناة عاشها
بيت من بيوتهم
، ويشهد دموع
كل أم تذوب
لوعة على
صغيرها ،
ويشعر بالقهر
الذي تكاد
تعجز عن تحمله
الجبال
الرواسي :
فلا
تستعدن
الحسام
اليمانيا
إذا كـنـت
ترضى أن
تـعـيـش بذلة
ولا
تستجيدن
العتاق
المذاكيا
ولا
تـسـتـطـيـلـن
الـرمـاح
لـغـارة
ولا
تتقي حتى تكون
ضواريا!
فلا ينفع
الأسد الحياء
من الطوى
من صور
التعبير
المهمة :
استثمار
الحدث في
تعميق وترسيخ
المعاني التي
كادت أن تنسى
في ضمير الأمة
، في غمرة صخب
التطبيع ،
وحماس كثير
ممن يحسبون من
المثقفين
العرب
للقاءات
السلام مع
اليهود ،
وتوقيع
الاتفاقيات
المشتركة
معهم بلا خجل .
فقضية عداوة
اليهود
للمسلمين
وأنها عداوة
أصيلة ،ولا
يمكن أن تعبر ،
ولا يقام
عليها جسر ،
ولا تحلها
اتفاقية ، ولا
عقد ، ولا عهد
، ولا ميثاق ،
وأن الذين
نقضوا العهد
والميثاق مع
الله ، ومع
الرسل ، ومع
الأنبياء ، لا
يمكن أن
يترددوا في
نقض العهد مع
سائر الناس .
وقد أسلفت
الإشارة إلى
هذا الموضوع .
وقضية أن
الأمة لا يمكن
أن تخرج من هذه
الأزمة مع
اليهود ، أومن
أي أزمة أخرى ،
إلا
بالاعتصام
بالله تبارك
وتعالى ،
والرجوع إلى
كتابه وإلى
سنة رسوله صلى
الله عليه
وآله وسلم ،
وإلا بالتوبة
الصادقة من
جميع الذنوب
والمعاصي ،
الذنوب على
المستوى
الفردي ،
والذنوب على
المستوى
الجماعي ،
فللمجتمعات
وللأمم أنواع
من الذنوب هي
أعظم من الذنب
الفردي لأن
ذنب الفرد في
الغالب سر
بينه وبين
الله ، وكل
أمتي معافى
إلا
المجاهرين .
الذنوب
الجماعية
يقصد بها
الظواهر
العامة التي
تسري وتنخر في
جسد الأمة على
المستوى
الاقتصادي ،
على المستوى
الإعلامي ،
على المستوى
الأخلاقي ،
ومن أعظم
الذنوب التي
يجب على الأمة
أن تتوب منها ،
ذنب التفريط
والتقصير
وعدم القيام
بالتبعات
والمسؤوليات
و أن كثيراً من
ثغور فروض
الأعيان ،
فضلاً عن فروض
الكفايات
أصبحت مكشوفة
في الأمة ، لا
يوجد من يسدها
، ولا من يقوم
بها . أليست
الدعوة إلى
الله تبارك
وتعالى فرض
كفاية ، قصر
الناس فيها
فتحولت إلى
فرض عين؟ أليس
من العلم
الشرعي منذ
قرون ما هو فرض
كفاية ، وتحول
بتقصير الناس
إلى فرض عين ؟
أليس الإصلاح
والأمر
بالمعروف
والنهي عن
المنكر فرض
كفاية تحول
بالغفلة إلى
فرض عين . أليس
بناء
الاقتصاد
الإسلامي
المثمر
المنضبط بما
يضمن
للمسلمين أن
ينموا
أموالهم
ويستثمروها
بطريقة شرعية
صحيحة ، ويحقق
نمواً في
معدلات
الاقتصاد في
العالم
الإسلامي
،ومواجهة
الاقتصاد
الربوي ، فرض
عين لعدم وجود
من يقوم به .
أليس الإعلام
وهو سلاح من
أخطر الأسلحة
العصرية ، لا
يوجد من تقوم
بهم الكفاية ،
بل ربما ولا من
تقوم بهم
البداية . في
مجال التقنية
و تقنية
المعلومات
على وجه
الخصوص وهو من
أخطر
المجالات
التي تتفوق
فيها دولة
إسرائيل حتى
إنه خلال هذه
السنة يتوقع
أن تصل قيمة
صادرات هذا
القطاع في
إسرائيل
حوالي تسعة
مليارات
دولار ،
وبزيادة تقدر
بنحو 40% عن
العام الماضي .
فهذه الفضلات
وأمثالها مما
يجب أن نتوب
منه .
قد
يظن البعض أن
صلاح الدين
الأيوبي رضي
الله عنه وحده
الذي قاد
معركة تحرير
فلسطين ،
والأرض
المقدسة ،
وأنتصر على
الصليبيين .
نعم صلاح
الدين هو الذي
قاد المعركة
الأخيرة من
المعارك ، وهي
المتعلقة
بالصراع
العسكري ، لكن
قبله كان هناك
جيوش من
المصلحين
والدعاة
والعلماء بل
والعباد
وسائر طبقات
الأمة الذين
بدؤوا في
صياغة الأمة
صياغة جديدة ،
وأعدوها
إعداداً
متكاملاً
لتكون في
مستوى المهمة
والمسؤولية
الملقاة على
عاتقها ، إذاً
ينبغي أن ندرك
بأن الأمة
بأمس الحاجة
إلى توبة
صادقة نصوح .
ورجوع إلى
الله سبحانه
وتعالى شامل
في كل مجالات
الحياة ، يجب
أن ندق طبول
الحرب من خلال
عودة الإنسان
إلى المسجد ،
من خلال الطفل
الذي نلقى به
في محضن تربوي
أمين ، من خلال
الشاب
المتخصص الذي
يسد نقصاً في
الأمة في جانب
من جوانب
الحياة ، في
الطب ، في
الهندسة ، في
الإدارة ، في
الكمبيوتر،
في الإحصاء ،
في التصنيع ،
في التسليح …
الخ ، ينبغي أن
ندرك أن أمام
المسلمين
ميداناً
طويلاً ، وأن
هذه العواطف
الجميلة
ينبغي أن تزكى
وتبارك وتؤيد
وتدعم ، لا
لتكون نهاية
المطاف ، بل
لتكون بداية
لمشوار ولو
طال .
لو
أن المسلمين
الذين بكوا
لما أحرق
المسجد
الأقصى ، أو
لما وقعت
مجزرة دير
ياسين ،
أوصبرا
وشاتيلا ، لو
أنهم عملوا
عملاً جاداً
وحولوا
عواطفهم إلى
برنامج عملي
مثمر ، أقله
تربية الجيل
على الجدية ، و
الشعور
بالمسؤولية ،
والإنتاج ،
والاهتمام
بمعالي
الأمور ،لو
أنهم فعلوا
ذلك لكنا نحصد
اليوم ثمرة ما
فعلوا ، فإذا
وقعت الواقعة
فإذا الأمة قد
استعدت لذلك
بوجود
الكفاءات
المختلفة في
كل جوانب
الحياة . إذاً
هناك قضايا
عديدة يجب أن
يعاد تذكير
الأمة بها
استثماراً
لهذه الأحداث .
من
صور التعبير
المهمة والتي
تستحق
الإشادة
فعلاً الوقوف
بالدعم
المادي السخي للإخوة
في فلسطين ، إن
حالة الشعب
الفلسطيني
صعبة من
الناحية
الاقتصادية ،
ولا يتوفر
لديهم الحد
الأدنى من
الحاجات
الضرورية
اللازمة
للعيش الكريم
، بسبب
الهيمنة
اليهودية ،
والفساد
الإداري
والمالي ،
وعدم وجود
مصادر معتمدة
للدخل .. فهم
يعيشون أوضاع
مأساوية،
وجاءت هذه
الأحداث
لتضاعف من
معاناتهم
وآلامهم .
فلماذا لا
يتنادى ذوو
اليسار في
العالم
الإسلامي كله
، وفي منطقة
الخليج خاصة ،
إلى توظيف
الأحداث ،
والتعاطف
الشامل ،
ليفرز بنية
تحتية ،
ومؤسسات
خدماتية ،
طبية
وتعليمية ،
وإغاثية
تلامس حاجة
الإنسان
الفلسطيني
بصورة مباشرة
، تشعره
بالحنو
والعطف ، قبل
أن تمد له
المساعدة ،
وتتواصل معه
حتى يأذن الله
بالفرج .
كــتــبــه
سلمان
بن فهد العودة
16/7/1421هـ